صدر الدين محمد الشيرازي ( صدر المتألهين )
82
تفسير القرآن الكريم
مخالفا لما بيّنّا سابقا ولا مبطلا حشر الأجساد ، بل تحققه وتصححه ، لكن لغموضه ودقته يحتاج دركه إلى قلب سليم وفطرة صافية عن كدورة التعصب والتقليد ، وسمع خال عن غشاوة ما يتلقف من الأساتذة أو يطالع من كتب المشايخ من غير بصيرة ولا فهم جديد ، وقد بيّنّا تفاوت هذا المطلب الشريف العالي والدر الثمين الغالي في بعض كتبنا ورسائلنا وتفاسيرنا لبعض السور والآيات القرآنية ، وبرهنّا على حقيقة المعاد الجسماني في كتاب المبدإ والمعاد بمعنى إعادة الأشخاص الإنسانية بعين هذه الأبدان ، لا بمجرد أشباحها وأمثالها برهانا صحيحا سالما عن النقوض ، وبيانا شافيا مبتنيا على مقدمات عقلية جازمة لا يعتريها شك وطعن على ما هو دأب أهل الحكمة والمعرفة ، لا مكتفيا فيه على ما يقبله الجمهور ويستحسن في المشهور ، وإن لم يكن مطابقا للواقع كما هو عادة أصحاب الجدل في صنعة الكلام ، ولا بد لطالب اليقين أن يراجع إلى ذلك الكتاب في مسألة المعاد لضيق المجال هاهنا عن تكثير المقال . وأما القدر الذي يقع له التنبيه على هذا المطلب بوجه وجيه يقنع به العاقل النبيه : إن الجسم المعيّن المحسوس والبدن المشكّل الملموس كالإنسان مثلا أمر مركب من جواهر متعددة يتقوّم بها ذاته ويظهر من اجتماعها الأبعاد الثلاثة مع أعراض لازمة أو مفارقة . والعرض المفارق الزماني لا يبقى زمانين بَلْ هُمْ فِي لَبْسٍ مِنْ خَلْقٍ جَدِيدٍ [ 50 / 15 ] لا على وجه قرّره المتكلمون ، بل على وجه قرره الحكماء في الأعراض الانفعالية ، ثم إذا بطل التأليف رجع كل جوهر من جواهره إلى عالمه ، والجوهر يقوم بذاته أو بمقومات ذاته ، والعرض قائم بغيره ، ولا يجوز له الانتقال والارتحال من موضوع الدنيا إلى موضوع الآخرة . لما عرفت أن العرض الزماني المستجيل مما لا يبقى زمانين ، والأعراض المحسوسة من الكميات والكيفيات الموجودة في جواهر هذا العالم متغيرة ، لما ثبت أن الأمور الطبيعية مستحيلة من حال إلى حال ، متحركة في المقادير بحسب النمو والذبول ، وفي الكيفيات المحسوسة والاستعدادية والمختصة بالكميات